recent
أخبار اليوم

لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف _ جريدة اللواء العربى

الصفحة الرئيسية
بقلم د. ياسر سرحان الديب
إن من عجائب هذا الزمان وهو مليء بالعجائب ! أننا أصبحنا نسمع من غرائب الفتاوى ما يشيب له الرأس ويندى له الجبين، فنرى بين الفينة والأخرى من يخرج إلينا ويدَّعي أنه مفكر وليته لم يفكر، وأنه أتى برأي جديد يُبهر الألباب، ويُنير العقول، ويفتح آفاقاً فكرية علميةً جديدة للبشرية جمعاءَ يظن بذلك أنه قد أتى برأي سَبق العالم كلَّه إليه، ولم يقل به أحدٌ قبله من العالمين فنراه يتكلم في دين الله من غير تحرير ولا تدقيق، حتى لبَّس على العامة دينهم، وفتح الباب أمام المختص وغيره أن يدلي بدلوه ويقول ما يشاء، وأن يجتهد في إثبات أو نفي الفتوى من غير علم ولا دراية، فنراه لم يأخذ بدليل بل قد أبدع رأيه هذا من بنات أفكاره أو اعتمد على آراء بعض الشاذين في الفكر والمنحرفين في الرأي أمثاله، بل وتراه عبر التلفاز يضرب أقوال العلماء بعضها ببعض مسقطاً منها ما لا يروق له، متسفهاً على الناس بأقواله وأفعاله،مرخصاً للناس ما لم يرخصْه الله، مائلاً إلى الدنيا في فتواه، صارفاً وجوه الناس إليه، ممارياً بفتواه العامّة، مباهياً بها العلماء والعقلاء، مسلطاً لسانه على أهل الحق مداهناً به أهل الباطل، قد أضرَّ بنفسه حيث أقحمها القول على الله بلا علم، وأفسد في مجتمعه بنشره هذا الهوى والجهل. 
وقد يكون هذا الباحث ليس له في العلم ناقة ولا جمل، بل قد يكون بعيداً كل البعد عن أبسط قواعد العلم الصحيح والمنهج المعتمد والرأي السديد ولكن هو يريد الشهرة ومخالفة الإجماع ولا سيما بعد أن أصبح العالم الأن قرية واحدة، بسبب ثورة الإعلام وانتشار وسائل الاتصال الحديثة، ولاسيما الفضائيات وما يُذاع فيها من فتاوى على الهواء، والشبكات المختلفة، والصحف والمجلات، والهواتف الجوَّالة التي تنشر الأمر أحيانا قبل أن يرتدَّ إليك طرفك.
فالفتوى والكلام في دين الله مهمة ثقيلة والذي يُعرِّض نفسه للفتوى لا بد أن يعلم يقينًا أنه سيحاسب عن كلِّ ما يتكلم به، فإذا أفتى بغير علم، أو أفتى بخلاف ما هو صواب، لِهوىً، أو لِغرَضٍ، أو لتحقيق دنيا عاجلة إنما يُقحِم نفسه في الويل والهلاك.
ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتدافعون الفتوى كما قال ابن أبي ليلى رحمه الله: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث، أو يسأل عن شيء، إلا ودّ أخاه كفاه.
ولم يكن هذا منهم فحسب، بل كان الواحد منهم يودّ أن لو قطع لسانه ولا يتكلم في دين الله بغير علم وهم أفضل القرون وأعمق الناس علماً وفهماً ومع ذلك تهيبوا من الفتوى وتدافعوها، ولا يتصدر الواحد منهم للفتوى حتى يستشير ويؤذن له، بل إن الواحد يُفضل قطع لسانه على أن يقول في دين الله ما لا يعلم.
   فواعجبًا كيف تجرأ بعض الناس في هذا الزمان على الفتيا في دين الله ؟!! وكيف تهافتَ غير المتخصصين عبر وسائل الإعلام على الفتوى دون معرفة بالعلم وآداب الفتوى وضوابطها ؟
فالتصدر للفتوى من بعض المفتين غير المتأهلين سبب للضلال والإضلال بل وسبب للقتل وسفك الدماء وسبب للتفرق والاختلاف وسبب لوقوع المفاسد الاجتماعية والأخلاقية.
google-playkhamsatmostaqltradent