recent
أخبار اليوم

 حكاية فى حدوتة.للشاعر صلاح سليمان الرشندى 


البحر الاحمر/أيمن بحر


حدوتتنا اليوم عن المعنى الحقيقى لكلمة (جار) عند أهلنا سكان حى (الأحياء) بمدينة الغردقة.

كان حى الأحياء قديما يتكون من مجموعة بيوت متباعدة عن بعضها البعض لكن تسكنها أناس قلبوبهم متقاربة وأقل ما يقال عنهم فى ذلك الوقت أنهم أسرة واحدة وهى حقيقة موثقة فى ذاكرة كبار عائلات هذا الحى على شكل مواقف تحكى كلما جاءت الفرصة وهذه المواقف كان يتبارا فيها الجار لإثبات أخوتة وحسن جيرتة لجارة الذى يبادلة نفس الشعور، كان هذا المجتمع متكامل ومتماسك كالجسد الواحد تسرى فى عروقة المحبة والمودة والأخوة فهو صورة ونموزج رائع لما كان علية المجتمع المصرى قديما فى الأرياف والصعيد تظهر وتتكشف هذه المواقف فى الأعياد والمناسبات الخاصة التى تخرج عن خصوصيتها وتصبح عامة بين أفراد هذا المجتمع المتقارب لأقصى درجة رغم تنوع أفرادة المنحدرة من أصول وثقافات مختلفة منها الصعيدى القناوى ومنها العربى البدوى بالإضافة إلى وجة بحرى والدلتا والقناة وبقدر ماعاشوا جيرانا متقاربين لم يسأل أحد عن بلد أو قبيلة الآخر لأنة فى النهاية هو جارة الإنسان لم يرى منة إلا كل ماهو جميل يأمنة ويستأمنة على بيتة ومالة وعرضة وهذا يكفى.

من هذه الأشياء الجميلة ذكر لى صديقى المعلم (عباس عراقى) وهو من عائلة كانت تسكن حى الأحياء وعاش طفولتة فى كنف هذه الأسرة الكبيرة إن صح التعبير، يقول: كان جارنا أسمة (أبو عابد) كلما كان الجو مناسب يذهب قبل غروب الشمس للصيد بالسنارة قرب الساحل، ويرجع فى وقت متأخر من الليل حاملا معة مارزقة اللة بة من أسماك متنوعة أشهرها الشعور والرباق ويقوم بالتوزيع منها على جيرانة فى حينها وذلك لصعوبة حفظها طازجة لعدم وجود ثلاجات وذلك دون مقابل على سبيل الهدية يقول عباس: كانت والدتى عندما تقوم بفتح شباك حجرتنا فى الصباح الباكر تقع الاسماك داخل الحجرة، لقد عاد عم أبو عابد متأخرا ولم يريد أن يزعجنا فوضع السمكات على حافة الشباك وهو أمر إعتاد علية ويعرف جيدا أننا نقوم بفتحة مع طلوع الفجر.

ويضيف عباس قائلا: عندما كان ينزل بنا ضيف فجأة ودون سابق إنذار كالعادة لعدم وجود تليفونات حتى يخبرنا الضيف بموعد قدومة ويصادف أن طعامنا غير ملائم بالقدرالكافى لتقديمة للضيف، مثل أصناف (العدس أو الفول أو المسقعة أو بقايا غداء اليوم السابق ..... وغيرها) فتحتار والدتى ماذا تفعل فتذهب إلى أقرب جارة وتسألها ماذا عندها من طعام فإذا كان مناسبا مثل (اللحم أو السمك أو الفراخ) تقوم بالتبديل معها على أن يقدم هذا الطعام (الزفر) للضيف ويقدم الطعام الآخر (طعام أم عباس) لأولاد الجارة، وإستطرد عباس قائلا وعندما تقع جارتنا فى مثل هذا الموقف نقدم لها ماعندنا من طعام لضيوفها دون ان يشعر الضيف بشىء.

وفى مقابلة مع الأستاذ "محمود معوض قال: عند قدوم موسم أسماك (العنبرة أو البربونى) كان والدى ينصب شباكة على الشعاب بالقرب من الشاطىء قبالة بيتنا فتمر أسراب الأسماك بمحازاة الساحل فتقع فيها، وفى الصباح الباكر يقوم بجمعها فى جوال ويحملها على ظهرة، ثم يوزع منها على الجيران ملىء (صحن) لكل بيت دون مقابل أيضا وبينما كنت استمع لحديث الأستاذ محمود هز رأسة وتنهد وتذكر المجاملات التى كانت تحدث بين عائلتة وعائلة عراقى وقال: فى هذا الموسم كان والدى يقوم بتمليح ملىء صفيحة كبيرة من (سمك العنبرة فسيخ) ويرسلها إلى عائلة (برغوت) بمحافظة قنا التى تنحدر منها جارتهم أم عباس إكراما لها ولأولادها ومن الجانب الآخر ترد الزيارة من خيرات الصعيد (الجبن والمش والسمن البلدى والملوخية والبامية الناشفة والقصب والجلاب .... وغيرة) وهذا دليل جديد على مدى تقارب هذه الأسر وتعكس المعنى الحقيقى للجملة التى دائما ما يرددها أفراد العائلتين عند حديثهم عن بعضهم (إحنا تربينا مع بعض فى بيت واحد).


كانت وسيلة المواصلات الوحيدة بين حى الأحياء وقلب مدينة الغردقة هى عربة نقل يسميها اهل الغردقة اللورى تابعة لمعهد علوم البحار، يقوم برحلتين أساسيتين كل يوم بين (الاحياء والدهار) فى الصباح يقوم بتوصيل طلبة المداراس والمدرسين أو من لدية مصلحة يقضيها فى منطقة الدهار وأيضا إحضار إحتياجات جميع بيوت الأحياء عن طريق أحد المتبرعين بعد أن قام بكتابة قائمة بالأغراض المطلوبة فى ورقة أثناء تجمع العاملين فى مقر عملهم بالمعهد، وعند وصولة منطقة الدهار يقوم بتسليمها إلى التاجر المشهور (صلاح قابيل) بدون أن يصاحبها نقود لأن (الحساب على النوتة) أى آخر الشهر فيقوم عم صلاح بتحضير الطلبات الموجودة لدية أما الغير موجودة مثل (اللحم والدقيق والعيش والجاز أو الكيروسين .... وغيرة) يعطيى بها ورقة صغيرة لهذا المندوب مدون بها الكميات المطلوبة، ثم يتوجة بها إلى الدكاكين الأخرى: اللحم من دكان عم (سيد ياسين) الدقيق من دكان عم (قاسم) الجاز من عند عم (الضوى عابد) العيش من فرن عم (بشارى) ... وهكذا وفى نهاية الشهر يقبض الموظفين والعمال الراتب فيتوجة الجميع لدفع ما عليهم من ديون لعم صلاح قابيل ويقوم بدورة سداد باقى مستحقات الدكاكين، بعد ذلك يعود اللورى إلى الأحياء ويقوم المندوب بتسليم الأغراض لأصحابها حتى تتمكن النساء من تحضير الغداء ثم يعاود الذهاب إلى منطقة الدهار فى فترة بعد الظهيرة وينتظرفى المكان المعروف للجميع أمام دكان عم صلاح قابيل ليعود بالطلبة والمدرسين وغيرهم، أما فى الظروف الطارئة والإستثنائية مثل توصيل المرضى إلى المستشفى يتحرك اللورى على الفور، وفى الأفراح والمناسبات يقوم اللورى بتوصيل المعازيم فى رحلات إستثنائية متعددة والعودة بالجميع بعد إنتهاء المناسبة وكذلك عندما تقام عروض السينما يذهب بالمتابعين لها وينتظر حتى ينتهى العرض ليعود بهم جميعا إلى الأحياء، فالسائقين دائما متعاونين مع أهلهم وتجدهم فى جاهزية تامة وفى أى وقت أمثال (عم سيد أبو معين - وإبنة عم سعد سيد – عم محمد عبد الغنى - عم عبد اللة الغنيمى) عليهم رحمة اللة جميعا.

ودائما ما يتذكر أهل الأحياء ما قالة عم عبد اللة الغنيمى فى أحد المواقف عندما كان فى طريق عودتة باللورى إلى الأحياء فى رحلة بعد الظهيرة ومعة الطلبة والمدرسين، وكان مدرس الرياضة ماشيا على قدمية متجها إلى الأحياء فلمحة أحد الطلبة وصاح: (أوقف ياعم عبد اللة خد معاك الأستاذ فلان) فكان عم عبد اللة له وجهة نظر فى تخصص هذا المدرس فهو لا يؤمن بأن هذه المادة ذات أهمية إذا ما قورنت بالمواد الأخرى بمسمياتها القديمة مثل (القراءة والحساب والمواد الإجتماعية .... وغيرها) فرد عم عبد اللة على الطالب وقال (مالنا بية .... دا أستاذ العاب ..... خلية يخدها مشى).

تحية منا لهذه الأجيال العظيمة ورحم اللة أعمامنا وأجدادنا اللذين زرعوا فينا معنى كلمة الأصول وكل المبادىء الإنسانية الجميلة أسماها الحب والإحترام والتقدير وحسن الجيرة لكن للإسف الشديد إنعدمت هذه الصور الجميلة فى زمننا هذا وافتقدناها ولا نكاد نحسها بين جيل اليوم ربما يكون هذا الجيل لدية عذرة وأن العيب فينا وليس فية لأننا لم نربيهم كما تربينا ولم نراقبهم وتركناهم لقدرهم يتحكم فيهم الإعلام الفاسد مدمر القيم والأخلاق بالإضافة إلى المواد التى تقدمها المواقع المشبوهة وصفحات التواصل الإجتماعى ويتداولها الشباب ويشاركها فيما بينهم، التى تؤدى إلى تغيير فى السلوك وخلق حالة من التقوقع والبعد عن الحياة الإجتماعية وعدم الرغبة فى مشاركة الآخرين والعيش فى جزيرة منفصلة مع عالمة الإفتراضى.

google-playkhamsatmostaqltradent