recent
أخبار اليوم

العولمة تحت الحصار | جريدة اللواء العربى

 

بقلم : د. جيهان رفاعى

شهد هذا العام أحداثا مفصلية تمثل نقطة تحول تاريخي فى مسيرة العولمة بدءا من تراجع القيادة الأمريكية وتنامى ظاهرة الشعبوية فى ديمقراطية العالم ونهاية إلى صعود نموذج اقتصادى وسياسي وتكنولوجي صيني بديل وتراجع روسى ، مما دفع النظام الدولي لمواجهة الأزمة العالمية فى الركود الجيو سياسي ... لقد وجه تفشي فيروس كورونا ضربة قوية للتدفق العالمي للبشر والسلع والخدمات ، مما جعل العولمة تحت الحصار ، كما أجبر الوباء جميع الدول على التوجه نحو الداخل ، مما أدى إلى تسريع عملية الركود الجيو سياسي واضمحلال العولمة ، ولاشك أن تفشي فيروس كورونا بهذه الصورة المرعبة أدى إلى حدوث شلل شبه تام فى مجمل حركة الإقتصاد العالمية ، فضلا عن عموم قطاعات الإقتصاد الوطني فى البلدان التي ضربتها الجائحة ، وهو ما أدى إلى فقدان ملايين الأشخاص لوظيفتهم وارتباك الأوضاع الحياتية لملايين أخرى ، إلى جانب تعطل مختلف المؤسسات التعليمية والتربوية ، بل وأكثر من ذلك إحداث تغيرات دراماتيكية سريعة وغير مسبوقة في أنماط الحياة لمختلف المجتمعات مع إستمرار تلك التغيرات بوتيرة متصاعدة ومتسارعة ارتباطا بالإهتزازات العنيفة وسرعة إنتشار الجائحة والعجز عن التوصل إلى معالجة صحية تساهم فى الحد من ذلك الإنتشار السريع ... وفى خضم تلك الأوضاع والظروف المضطربة إلى حد كبير ، لوحظ أن هناك أطرافا تعاملت مع كورونا من زاوية إقتصادية سياسية ، وراحت تحاول تحقيق مكاسب على حساب الآخرين ، وتنتقم من خصوم وأعداء لها فى ذروة الكارثة ، بينما تعاملت أطراف أخرى مع الكارثة من زاوية إنسانية بحتة واضعة كل الاعتبارات والحسابات والمصالح السياسية جانبا ... لقد تحول وباء كورونا المحلى فى الصين إلى جائحة عالمية أثرت فى الحضارة الحديثة التي كان أحد تجلياتها الكبرى إنتشار وسائل النقل بشكل غير مسبوق فى التاريخ البشرى ، كما أثرت الحضارة الحديثة بالمقابل فى نشر الوعي بالفيروس عالميا ... لقد غير هذا الفيروس العالم بالفعل وسيستمر فى تغييره بشكل أعمق فى المستقبل وسيقوم بإعادة ترتيب أولويات العالم من جديد سياسيا وإقتصاديا وثقافيا ، وتشير التقارير إلى أن أزمة كورونا لم تثبت فشل العولمة فحسب بل أثبتت مدى هشاشتها وزيف الكثير من الحجج التي سيقت لتبريرها ، فمع بداية الوباء سارعت جميع الدول التي روجت للعولمة واستفادت منها إقتصاديا واستراتيجيا إلى الانغلاق للداخل والحد من السفر وإغلاق حدودها وتخزين الإمدادات الطبية اللازمة لها ، اى كورونا يقتل العولمة التي نعرفها وان هذا الوباء رغم بشاعته يعتبر هدية للقومية ، كما نتوقع أن يكون له آثار طويلة المدى على حرية الحركة للأفراد والبضائع ، ومن ناحية أخرى تشير بعض التقارير الأخرى أنه بينما كانت العولمة تخدم أنظمة رأسمالية دولية على حساب الفقراء في العالم الثالث ، فإن كورونا قد تخطى تلك الفوارق الطبقية وأوجد ما نسميه بإشتراكية المرض بحيث أصبح الفقير والغني معرضين بنفس الدرجة لهذا الوباء الذي أصبح عابر للطبقات الإجتماعية بكل درجاتها وتصنيفاتها ، وهذا الوضع قد جعل الجميع متساويين من حيث العجز أمام هذا الوباء ، وفى ضوء هذه التغيرات الإجتماعية والإقتصادية الكبرى والمتسارعة تتشكل عالميا ظاهرتين لهما أثر كبير على العالم النامي وهما تصاعد صراع القوى الكبرى على قيادة العالم وانشغال تلك القوى بنفسها وانغلاقها إلى حد كبير نحو الداخل إيمانا بأن من يخرج من محنة كورونا سيتمكن من تحقيق نقاط هائلة على سلم السيطرة وهو ما ستتبدل معه الكثير من التحالفات وظهور لتكتلات إقتصادية وسياسية جديدة ، ومن ناحية أخرى فإن الفجوة التنموية بين العالمين المتقدم والنامي قد بدأت فى التناقص نتيجة لانخفاض إنتشار كورونا وانخفاض كلفته الإقتصادية فى العالم النامي مقارنة بالعالم المتقدم ، هذه التغيرات توفر فرصة نادرة لصياغة نظام عالمي جديد أكثر عدلا من الناحية الإقتصادية والإستراتيجية ... إن فى هذه الأجواء المضطربة دوليا تتخبط الآراء وتتصادم الرؤى ويكون المستقبل أفضل لمن يستطيع التوازن في لحظة شديدة الارتباك من التاريخ ، لذلك يجب تقدير الأمور بقدرها بحيث يلتزم الجميع بتوجيهات المؤسسات الرسمية المعنية فى كل مكان بخوف طبيعى يناسب حجم الخطر ولا يتجاوزه إلى رعب عام يخلق الفوضى والمشكلات الأمنية ، فأخطر من كورونا انتشار المجاعات والفقر الذي سينتج عن إستمرار الإغلاق ومنع التجول حول العالم وكذلك أخطر من كورونا انتشار الفوضى وفقدان الأمن والأمان وأشياء كثيرة ستتضخم وتكبر إن استمر العالم مغلقا لفترة طويلة ، والتاريخ أصدق الشهود حين يؤكد أن البشرية تجاوزت كل التحديات التي واجهتها من قبل واستمرت وخاصة في موضوع الأوبئة والجوائح تحديدا ، فمنذ بداية البشرية وإلى اليوم لم يوجد فيروس واحد لم تستطع البشرية تجاوزه وهو ما سيحدث مع فيروس كورونا دون شك إن شاء الله رغم تطوره وانتشاره وآثاره المهلكة ، فإن البشرية ستتجاوزه وتسعى إلى مزيد من التطور والرقى وتستمر الحياة ... ورغم إختلاف العالم على أصل الفيروس وفصله فلم يعد لديهم متسع من الوقت لذلك بل سارعوا إلى مختبراتهم يبحثون عن سلاح يقاومون به فلم تنفعهم أسلحتهم النووية وطائراتهم المقاتلة وصواريخهم العابرة للقارات ، فلم يعد المهم من السبب بل الأهم كيف توقف زحف الكورونا بعد أن بات أكثر من نصف أهل الأرض سجناء فى بيوتهم ، إن عالم ما بعد كورونا ليس كما قبله عالم جديد لم تنضج معالمه ولا أين يتجه ولا أظن أن أحد حتى الآن يملك الإجابة عن شكل العالم بعد كورونا ليس لعدمها بل لأن الفيروس وصدمته العالمية لازالت تسيطر على العالم ولم ينجلي غبار المعركة العالمية مع الفيروس بعد ، وبالتالي فإن كل ما نكتبه هنا وكل ما يقال هو إستعراض أولى ومحاولة للفهم والاستيعاب لأن العلاقات الدولية ستزداد تعقيدا وسيعاد تشكيل هذه العلاقات وفقا لما أنتجته الأزمة من معطيات وحقائق لدى أغلب الدول ... التحالفات والتكتلات لن تعود كسابق عهدها بل ستطالها آلة التغيير أو الانهيار ، ستزداد أهمية المصالح الإقتصادية والروابط الحيوية وينحصر تدريجيا الحديث عن الأيديولوجيا والشعارات والمفاهيم الإنسانية التي اختفى دورها وتأثيرها تماما فى أزمة كورونا ، ويتحول الجميع إلى إعادة الحسابات على حساب فكرة العولمة والاعتماد المتبادل وغير ذلك من نظريات ظن العالم طويلا أنها قادرة علي إنقاذه في حال تعرضه للخطر .

العولمة تحت الحصار | جريدة اللواء العربى
اللواء العربى

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  • Unknown photo
    Unknown2 يناير 2021 في 9:35 ص

    ما شاء الله عليكي يا د چيهان مقال في منتهي العمق التحليلي و يلخص ما يعيشه العالم بالفعل بأختلاف درجات التقدم أو التخلف فالجميع يقع تحت تأثير هذه الجائحه القاتله و يحاول التغلب عليها بإمكانياته سواء المتقدمه او المتخلفه. كل تمنياتي ان يخرج العالم هذه الجائحه علي خير و تمنياتي لكي بالمذيد من النجاح و التقدم و الرقي و التألق.

    حذف التعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent