recent
أخبار اليوم

لا يعرف الوطن إلا من عرف الغربة | جريدة اللواء العربى


 بقلم د. ياسر سرحان 

الديب إنّ الإنسان بطبيعته وفطرته قد جُبل على حبّ وطنه والحنين والشوق إليه، ومحبة الوطن طبيعة طبع الله النفوس عليها، يشترك في هذا جميع الناس علي تنوع أعراقهم وأعرافهم واختلاف مشاربهم وألوانهم، فإن الإنسان إذا وُلد في بلدٍ ما، ونشأ فيها، وترعرع في كنفها، فمن الطبيعيّ أن يحبها، ويواليها وينتمي إليها، وليس من السهل عليه أن يفارق وطنه الذي عاش في كنفه وتربى فيه، فلا مكان في الحياة أجمل وأبهى من المكان الذي ولد فيه وترعرع، وتفيأَ ظلاله وارتوى من فرات مائه، فهو مسقط الرأس ومستقر الحياة ومكان العبادة، ومن خيراته يعيش ومن مائه يرتوي. قال الغزالي رحمه الله: والبشر يألفون أرضهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحشا، وحبّ الوطن غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويغضب له إذا انتقص. وعندما جاء الإسلام لم يقف أبداً في وجه هذا الميل الطبيعي، بل أقر ذلك ودعا إليه، وجعله سبيلاً للعمل الصالح وفعل الخيرات ، وضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الأمثلة فحين خرج من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، جاءت كلماته بالانتماء تعبيراً صادقاً عن حبه لوطنه الذي نشأ وترعرع في أكنافه وأمضى فيه سنوات شبابه، حيث وقف صلى الله عليه وسلم يخاطب مكة المكرمة في صيغة وداع مؤثرة، بالرغم من أنّ أهل مكة آذوه كثيراً وتم إجباره على الخروج منها إلا أنها ظلت في قلبه، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أطيبكِ من بلد، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَكِ". قال العيني: ابتلى الله سبحانه وتعالى نبيه بفراق الوطن. وعن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعك أبو بكر، وبلال فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله .... والموت أدنى من شراك نعله. وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة .... وهل يبدون لي شامة وطفيل. وقال: اللهم العن شبيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد. فغرس الله بعد ذلك حب المدينة في قلب الصحابة ومن بعدهم أبدَ الدهر. فكلّ إنسان يرى وطنه أجمل مكان في هذه الدنيا، ومهما سافر سيبقى يشعر بالحنين إلى وطنه والحاجة إلى العيش والاستقرار فيه والجلوس بين أهله وأحبابه وإخوانه وجيرانه. فكم من مغترب قال بلوعة وحنين بيت أبو تمام : كَم مَنزل في الأرضِ يألفهُ الفَتى .... وحَنينُهُ أبداً لأولِ مَنزلِ وكم من مغترب يتغنى صباح مساء : بلادي وإن جارت علي عزيزةٌ .... وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرامُ والكل يعلم أن الغربة وعرةُ المسلك، ومليئة بالمنغصات، هي فقدان الشعور بمحيط الأمان.. الأهل والأصدقاء والطفولة.. الذكريات لكل مراحل الحياة التي دارت عجلتها مع الوالدين والإخوة والأسرة وأهل الحي والجيران.. لحظات الماضي الجميل البريء، ورغم مرارة الغربة وصعوبتها على النفس، فإنك تجد أناسا تحسدك دائما على شيء هو لا يستحق الحسد،حتّى إنهم على الغربة يحسدونك، كأنّما أصبح البعد عن الأهل والأحباب بل وفراقهم دون رؤيتهم وتوديعهم مكسبا! وعليك أنت أن تدفع ضريبته نقدا وحقـدا. وأؤكدُ أن كثيرين ممن سافروا خارج أوطانهم بإرادتهم ، أو حتى وهم مجبرون عليها، يعلمون كم هي مؤلمة تلك الغربة، فهى عُمـر يمر دون حساب، وفيها أحباب نُفارقهم دون وداع، ومهما بقي الإنسان في بلاد الغربة فاسمه غريب، ومهما سافر الإنسان ومهما دار من بلدان حول العالم، فلن يجد أحنّ من حضن وطنه ولا أدفء منه. قال الله تعالى في كتابه الكريم: "ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم" وقد جاء الإبعاد عن الوطن ضمن العقوبات المنصوص عليها في جزاء المفسدين في الأرض المحاربين لله ورسوله، كما جاء الإبعاد أيضًا في عقوبة الزاني بعد جلده كعقوبة تعزيرية زائدة على الحد وهى التغريب مدة عام، وهو ما يدل على عظم الإبعاد عن الوطن على النفس، سواء كان عقوبة أو اضطرارًا. إذاً من حقوق الوطن علينا والتي أمر بها الإسلام أن يسعى كل فرد فيه للحفاظ عليه وتنميته وازدهاره، لا يكون بمجرد الكلمات والشعارات بل هو مرتبط بسلوك الفرد يلازمه في كل مكان، في حله وترحاله، في المنزل والشارع، في مقر عمله في الاهتمام بنظافته وجماله، في إخلاص العامل في مصنعه، والموظف في إدارته، والمعلم في مدرسته، في إخلاص أصحاب المناصب والمسئولين فيما تحت أيديهم من مسؤوليات وأمانات، في المحافظة على أمواله وثرواته، في تحقيق العدل ونشر الخير والقيام بمصالح العباد كلٌ حسب مسئوليته وموقعه، في نشر القيم والأخلاق الفاضلة ونشر روح التسامح والمحبة والأخوة بين الجميع، وأن نحقق مبدأ الأخوة الإيمانية في نفوسنا وأن ننبذ أسباب الفرقة والخلاف والتمزق، وأن نقيم شرع الله في واقع حياتنا وسلوكنا ومعاملاتنا ففيها السعادة في الدنيا والآخرة.

google-playkhamsatmostaqltradent